اطلعت على مقال نشر على منصة ” طيران بلدنا” بعنوان «إلى مجلس السيادة و الحكومة السودانية .. المجال الجوي ورقة سيادية لحماية الشعب : ضرورة تعليق عبور الخطوط الإثيوبية» بقلم الأستاذ أحمد سيد أحمد محمد خير .
و نظراً لما يطرحه المقال من تساؤلات مهمة حول السيادة الجوية و العلاقات السودانية الإثيوبية و إمكانية استخدام المجال الجوي كأداة ضغط دبلوماسية و اقتصادية ، فإن الطرح يستحق قراءة مهنية من منظور الطيران المدني الدولي وبالاستناد إلى اتفاقية شيكاغو و ملاحقها ومعايير منظمة الطيران المدني الدولي «الإيكاو». أولاً : الزاوية القانونية :
يتمتع السودان وفق المادة الأولى من اتفاقية شيكاغو بالسيادة الكاملة و الحصرية على مجاله الجوي. كما تنظم المادة السادسة تشغيل الخدمات الجوية الدولية المنتظمة داخل إقليم الدولة. غير أن ممارسة هذه السيادة تتم في إطار الالتزامات الدولية التي قبل بها السودان.
و لذلك فإن أي قرار بتقييد أو تعليق عبور ناقل جوي أجنبي يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح وأن يأخذ في الاعتبار اتفاقية شيكاغو و الاتفاقيات الثنائية للنقل الجوي ذات الصلة.
كما أن الأمر لا يتعلق بالمجال الجوي وحده وإنما بحقوق النقل و التشغيل والالتزامات المتبادلة بين الدول. ثانياً : الزاوية السياسية والسيادية :
من حيث المبدأ تستطيع الدولة استخدام أدواتها السيادية في حماية مصالحها الوطنية.
و يمكن أن تكون حقوق العبور والتشغيل والنقل الجوي جزءاً من أدوات السياسة الخارجية عندما تتعرض المصالح الوطنية للخطر. إلى مجلس السيادة و الحكومة السودانية : المجال الجوي ورقة سيادية لحماية الشعب .. ضرورة تعليق عبور الخطوط الإثيوبية
لكن فاعلية هذه الأداة ترتبط بطريقة استخدامها وتوقيتها والهدف منها.
فالقرار المدروس يمكن أن يكون جزءاً من تفاوض دبلوماسي أوسع بينما قد يؤدي القرار الشامل و غير المدروس إلى تعقيد العلاقات أو فتح مسارات نزاع لا تحقق الهدف المطلوب.
لذلك فإن استخدام المجال الجوي كأداة تفاوضية ينبغي أن يكون تدريجياً و محدداً و مبنياً على تقييم واضح للمصلحة الوطنية مع الفصل بين المواقف السياسية تجاه الحكومات و بين حركة الطيران المدني و حقوق المسافرين. ثالثاً: الزاوية الاقتصادية والتشغيلية :
المجال الجوي ليس مساحة جغرافية فقط. فهو جزء من منظومة اقتصادية وتشغيلية تشمل خدمات الملاحة الجوية وإدارة الحركة الجوية والإيرادات المرتبطة بها. و يضع الملحق 11 لاتفاقية شيكاغو إطاراً لخدمات الحركة الجوية و إدارة المجال الجوي والتنسيق بين الدول.
كما تتناول سياسات الإيكاو الاقتصادية لخدمات الملاحة الجوية المبادئ المنظمة للرسوم والتكاليف المرتبطة بتقديم هذه الخدمات.
و بالتالي فإن تعليق عبور شركة طيران كبرى قد يترتب عليه فقدان إيرادات مرتبطة بالحركة الجوية إضافة إلى آثار على المسارات الجوية و حركة المسافرين والتجارة وربما على قدرة المجال الجوي للدول المجاورة على استيعاب الحركة المعاد توجيهها. الخلاصة :
إن طرح استخدام المجال الجوي السوداني كورقة ضغط يستحق النقاش. لكن التعامل معه بصورة مهنية يتطلب وضعه داخل ثلاثة أطر متكاملة : القانون والسياسة والاقتصاد والتشغيل.
فالسودان يملك سيادة كاملة على مجاله الجوي. لكن هذه السيادة تمارس ضمن منظومة دولية تنظم الطيران المدني و تحدد حقوق الدول و التزاماتها. و عليه فإن الخيار الأكثر اتزاناً ليس بالضرورة الإغلاق الشامل وإنما دراسة البدائل المتاحة بدءاً من المراجعة القانونية والتفاوض الدبلوماسي وإعادة تقييم حقوق التشغيل وصولاً إلى أي قيود محددة يمكن اتخاذها عندما تتوافر مبررات قانونية واضحة.
إن قوة الدولة في إدارة مجالها الجوي لا تقاس فقط بقدرتها على إغلاقه وإنما بقدرتها على استخدام سيادتها الجوية بصورة قانونية ومدروسة تحقق السيادة الوطنية وتحافظ في الوقت نفسه على سلامة واستمرارية منظومة الطيران المدني . طيران بلدنا
المجال الجوي السوداني .. بين السيادة الوطنية و الالتزامات الدولية
Leave a Comment
